علي بن أحمد المهائمي

647

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وإنصاف الخضر عليه السّلام فيما اعترف به عند موسى عليه السّلام حيث قال له : « أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا » « 1 » ؛ فكان هذا الإعلام من الخضر دواء لما جرّحه به في قوله : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] مع علمه بعلوّ رتبته بالرّسالة ، وليست تلك الرّتبة للخضر ، وظهر ذلك في الأمّة المحمّديّة في حديث إبار النّخل ؛ فقال عليه السّلام لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » « 2 » ] . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف فارق موسى الخضر قبل استكمال ما طلب الكمال فيه ؟ وكيف فارقه الخضر قبل تكميله ، ومن شأن الكامل التكميل ؟ فقال : ( وأما حكمة فراقه ) ، أي : مفارقة الخضر لموسى ؛ فلأن موسى رسول ، وكل رسول واجب الطاعة ، فتجب طاعته في قوله : فَلا تُصاحِبْنِي [ الكهف : 76 ] ، وإنما وجبت طاعة الرسول ؛ ( لأن الرسول يقول اللّه في حقه ) ، يعني من جهة كمال ظهور الحق فيه ، ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ) ، فإن أمره أمر اللّه ، ونهيه نهي اللّه ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] ، ( فوقف العلماء باللّه الّذين يعرفون قدر الرّسالة والرّسول عند هذا القول ، وقد علم الخضر أنّ موسى رسول اللّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفّي الأدب حقّه مع الرّسول ؛ فقال له : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [ الكهف : 76 ] ؛ فنهاه عن صحبته ، فلما وقعت منه الثّالثة قال : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] ، ولم يقل له موسى : لا تفعل ، ولا طلب صحبته لعلمه ) أي : لعلم موسى ، ( بقدر الرتبة التي هو ) أي : موسى ( فيها ) ، وهي الرسالة ( التي أنطقته بالنهي عن أن يصحبه ؛ فسكت موسى ) عند إخبار الخضر إياه بالفراق ؛ ( ووقع الفراق ، فانظر إلى كمال هذين الرّجلين في العلم وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه ) ؛ فإن توفية كل منهما حق الأدب بالنسبة إلى الآخر كان للّه ، ومن اللّه فكان أدبهما إلهيّا . ( وإنصاف الخضر عليه السّلام فيما اعترف به عند موسى عليه السّلام حيث قال له : « أنا على علم علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علّمكه اللّه لا أعلمه أنا » « 3 » ؛ فكان هذا

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1757 ) ، وابن حبان ( 6 / 389 ) . ( 2 ) رواه ابن حبان ( 6 / 389 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 4 / 280 ) ، والبزار في « المسند » ( 3 / 153 ) . ( 3 ) سبق تخريجه .